حسن الأمين
244
مستدركات أعيان الشيعة
البلاد من الاحتلال الصليبي ، وراح يفتش عن مكان آخر يقاتل فيه ، لأن إنقاذ الوطن الإسلامي من الصليبيين يحد من نفوذه ويقلل من هيمنته ، أما القتال في مناطق أخرى فإنه يزيد من نفوذه ويكثر من هيمنته ، فإذا ضمن ذلك فليبق الصليبيون في بلاد الشام . ولو أن المناطق الأخرى التي عزم على القتال فيها هي مناطق أجنبية ، يريد إدخالها ضمن المناطق الإسلامية لهان الأمر . ولكن صلاح الدين الذي سالم الصليبيين وأنهى الحرب معهم واعترف بوجودهم ، ثم زاد على ذلك فأعاد لهم ما كان قد أخذه منهم . صلاح الدين هذا عاد يخطط لغزو البلاد الإسلامية وسفك دماء المسلمين تحقيقا لمطامعه الشخصية . ترك الصليبيين في أمان ، واتجه لترويع المسلمين الآمنين ، ولكن الله الرحمن الرحيم أنقذهم منه ، ونجاهم من السيوف التي أعدها لذبحهم توسيعا لملكه ، ومدا لسلطانه . قال ابن الأثير وهو يتحدث عن وفاة صلاح الدين : « كان قبل مرضه قد أحضر ولده الأفضل عليا وأخاه الملك العادل أبا بكر واستشارهما فيما يفعل ، وقال قد تفرغنا من الفرنج وليس لنا في هذه البلاد شاغل ، فأي جهة نقصد ، فأشار عليه أخوه العادل بقصد خلاط لأنه كان قد وعده إذا أخذها أن يسلمها إليه . وأشار ولده الأفضل بقصد بلد الروم التي بيد أولاد قلج أرسلان وقال هي أكثر بلادا وعسكرا ومالا وأسرع مأخذا وهي أيضا طريق الفرنج إذا خرجوا على البر فإذا ملكناها منعناهم من العبور فيها . فقال : كلاكما مقصر ناقص الهمة ، بل أقصد أنا بلد الروم ، وقال لأخيه تأخذ أنت بعض أولادي وبعض العسكر وتقصد خلاط فإذا فرغت أنا من بلد الروم جئت إليكم وندخل منها آذربيجان ونتصل ببلاد العجم فما فيها من يمنع عنها ، ثم أذن لأخيه العادل في المضي إلى الكرك وكان له وقال له فجهز واحضر لنسير . فلما سار إلى الكرك مرض صلاح الدين وتوفي قبل عوده » اه . يقول صلاح الدين : لقد تفرغنا من الفرنج . وليته كان قد تفرغ منهم باستئصالهم مستعينا عليهم بالجيش العراقي ، ولكن تفرغ منهم بمصالحتهم وترك البلاد لهم ، وإعادة ما أخذه منها إليهم . لقد تفرغ منهم بذلك وراح يحاول الانشغال عنهم بالمسلمين ، ولكن عزرائيل كان قد تفرغ له ، فحال بينه وبين الإيغال في الآثام . الذكريات يرى القارئ بعد تمام هذا المجلد صفحة من حياة المؤلف ، لا هي بالسيرة الذاتية ولا هي بالمذكرات ، وإنما هي انطباعات عن بعض ما مر به في هذه الحياة . ففضل أن يطلق عليها اسم ( الذكريات ) . وقد كان في النية أن تتضمن ما يشمل الأيام كلها حتى كتابة هذه السطور ، ثم تطبع مع آخر مجلد من ( المستدركات ) . ولما تبين أن نهاية ( المستدركات ) غير معلومة الأمد ، وأنها حتى الآن مستمرة ، لذلك بادرت إلى إيداع قسم منها مع هذا المجلد ، وتركت الباقي - وبعضه لم يدون بعد - إلى الآتي من ( المستدركات ) . وقد كان التعجيل في نشر ما ينشر هنا هو أن العمر ماش إلى الغروب ، ولا يعلم إلا الله ساعة هذا الغروب الدانية ، فحفظا لهذه ( الذكريات ) من الضياع بادرت إلى تسجيل ما هو مسجل في آخر هذا المجلد ، وهو ما سيراه القارئ في الصفحات التالية . ولعل الله يسمح بتدوين الباقي في نهاية مجلدات المستدركات . حسن الأمين